أبي حيان الأندلسي

53

البحر المحيط في التفسير

وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ « 1 » ، وكما ترى النائم على هيئة ، وهو يرى في منامه ما ينعم به أو يتألم به . ونقل السهيلي في كتاب ( دلائل النبوّة ) من تأليفه ، حكاية عن بعض الصحابة ، أنه حفر في مكان ، فانفتحت طاقة ، فإذا شخص جالس على سرير وبين يديه مصحف يقرأ فيه وأمامه روضة خضراء ، وذلك بأحد ، وعلم أنه من الشهداء ، لأنه رأى في صفحة وجهه جرحا . وإذا ثبت أن الشهداء أحياء ، إما أرواحهم ، وإما أجسادهم وأرواحهم ، فاختلف في مستقرها . فقيل : قبورهم يرزقون فيها . وقيل : في قباب بيض في الجنة يرزقون فيها ، قاله أبو بشار السلمي . وقيل : في طير بيض تأكل من ثمار الجنة ومساكنهم سدرة المنتهى ، قاله قتادة . وقيل : يأكلون من ثمر الجنة ويجدون ريحها ، وليسوا فيها ، قاله مجاهد . وروي عن ابن عباس ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء » . و روي : في روضة خضراء يجري عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا . و روي عنه صلى اللّه عليه وسلم : « أن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة ، وأنهم في قناديل من ذهب ، وأنهم في قبة خضراء » . وإذا صح ذلك ، فهي أحوال لطوائف من الشهداء ، أو في أوقات مختلفة . والجمهور : على أنهم في الجنة ، ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلم لأم حارثة : « إنهم في الفردوس » . ومذهب أهل السنة : أن الأرواح لا تفنى ، وأنها باقية بعد خروجها من البدن . فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين ، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدّين . والفرق بين الشهيد وغيره من المؤمنين إنما هو الرّزق ، فضلهم اللّه بذلك ، وقال تعالى في حق الكفار : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا « 2 » . وقال الحسن : الشهداء أحياء عند اللّه ، تعرض أرزاقهم على أرواحهم ، فيصل إليهم الروح والفرح ، كما تعرض النار على آل فرعون غدوة وعشيا ، فيصل إليهم الوجع . وقالوا : يجوز أن يجمع اللّه من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم ، وإن كانت في حجم الذرة . ولم تتعرض الآية الكريمة لرزق أرواح الشهداء ولا لمستقرّها ، وإنما جرى ذكر ذلك على سبيل الاستطراد ، اتباعا للمفسرين ، حيث تكلموا في ذلك في هذه الآية ، وإلا فمظنة الكلام على ذلك في قوله : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 3 » ، حيث ذكر العندية والرزق ، وظاهر

--> ( 1 ) سورة النمل : 27 / 88 . ( 2 ) سورة غافر : 40 / 46 . ( 3 ) سورة آل عمران : 3 / 169 .